هشام جعيط

55

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

فصارت نقطة تعتمد لتحديد البلاد التي فتحها جيش العراق عملا بالمبدأ القائل إن لكل جيش مجالا ترابيا يصبح ملكا له ومن حقه ومكسبه . فكان مهما أن يعرف من كان حاضرا في تلك الفترة الممتازة التي كانت خلالها المدائن مرحلة ، ذلك أن مثل هذا الحضور كان يعادل حقا مكتسبا في الفيء بمعناه الأكثر اتساعا ، أي الغنيمة لكن أيضا أي مكاسب ثابتة في المستقبل . ومن المدائن تحدد كذلك المجال الذي ستمنحه الكوفة فيما بعد ، بصفتها وريثة للمدائن بالذات . وبهذا المعنى ينبغي فهم قول سيف : « فتوح المدائن السواد وحلوان وما سبذان وقرقيسياء » « 1 » وهذا القول الآخر : « ولي سعد بن مالك على الكوفة بعد ما اختطت ثلاث سنين ونصفا سوى ما كان بالمدائن قبلها ، وعمالته ما بين الكوفة وحلوان والموصل وما سبذان وقرقيسياء إلى البصرة » « 2 » . هذا وسنعود إلى طرق مشكل امتداد فتوحات أهل المدائن وقد أصبح أكثرهم من أهل الكوفة « 3 » ، لكي ينبغي التأكيد على دور الاستيلاء على المدائن والإقامة فيها كعقدة مجاليّة - زمنية في النسق العربي ، ومرحلة لزمنية تاريخية تندرج في تسلسل معين لكنها تفرض مسبقا وجود مجال وحقوق . جلولاء ( 16 ه / 637 م ) : المعركة الأخيرة من أجل العراق كان الاستيلاء على المدائن بلا قتال . أما جلولاء فهي معركة مهمة ، وتكاد تكون حدثا تاريخيا في المشروع العربي الموجه ضد الساسانيين ، ومعركة أخيرة . لا شك في أن الغنيمة كانت أحد الحوافز بالنسبة لبعض الفاتحين ، فقد اكتسبت وقعة جلولاء مظهر الملاحقة وحتى ما يشبه السباق من أجل الملاحقة . لكن كان الأمر بالنسبة للفرس يتعلق بالدفاع عن أملاكهم وحماية العبور إلى الجبال ، وإلا فلا يفهم الغرض من اعتصامهم بهذا المكان قبل لجوئهم إلى النجد الإيراني . كان معسكر جلولاء يشكل نقطة قصوى لتجمع الفرس قبل كارثة تشتتهم الذي نجم عنه خضوع بلدهم « 4 » . كانت جلولاء بالفعل آخر مدينة بالسهل في اتجاه الجبال « 5 » . وكانت مفترقا لطرق الشمال والشرق ، الطرق المؤدية إلى آذربيجان وطريق الجبال فخراسان « 6 » فاكتسبت بذلك

--> ( 1 ) الطبري ، ج 4 ، ص 49 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 50 . ( 3 ) الطبري ، ج 3 ، ص 615 . ( 4 ) الطبري ، ج 4 ، ص 24 - 35 ؛ فتوح البلدان ، ص 264 - 265 ؛ الأخبار الطوال ، ص 127 - 129 ؛ خليفة بن خياط ، التاريخ ، ج 1 ، ص 107 - 108 . ( 5 ) Le Strange , op . cit . , p . 62 . p . 62 . ( 6 ) الطبري ، ج 4 ، ص 24 .